الاثنين 21 أغسطس 2017 -
دعوة لحضور الندوة المجانية ( جرائم الشتهير والقذف عبر وسائل التواصل الاجتماعي ) دعوة لحضور اللقاء الثقافي تدشين كتاب ( المدينة المنورة في العهود الثلاث) للباحث والمؤرخ أحمد امين مرشد حمى النقيع .. الذي حماه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم للمسلمين قصة "خشقدم" ومدفع رمضان قبل 573 عاما .. بدأت عفوية وتحوّلت إلى طقوس سنوية اقبال كثيف على المسرح المديني لمشاهدة مهرجان صيف طيبة 38 بدء التسجيل في ورشة فنون الرسم للأطفال جسفت تنظم الدورة التدريبية المجانية ( الوان الأكليريك .. تقنيات واساليب ) بدء التسجيل في دورة من ضوابط فهم السنة مهرجان طيبة 38 يشهد حضورا كثيفا استمرار فعاليات مهرجان طيبة 38
خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم المسجد النبوي الشريف معالم وآثار المدينة المنورة خصائص وتاريخ المدينة المنورة أحياء وطرق المدينة المنورة أعلام وأهالي المدينة المنورة أخبار وفعاليات المدينة المنورة مكتبة الصوتيات مكتبة الفيديو مكتبة الصور البث المباشر

المقالات >> المسجد النبوي الشريف >> صب الرصاص حول قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم

صب الرصاص حول قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم

صب الرصاص حول قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وفي سنة سبع وخمسين وخمسمائة وهي السنة الثالثة من خلافته جرت الكائنة الغريبة، وهي ما ذكره العلامة السيد نور الدين علي السمهودي المدني في كتابه خلاصة الوفا وغيره فقال: إن الملك العادل نور الدين رأى النبي صلى الله عليه وسلم في نومه ليلة ثلاث مرات وهو يشير إلى رجلين أشقرين يقول: أنجدني من هذين. فأرسل إلى وزيره وتجهزا في بيته ليلتهما على رواحل خفيفة في عشرين نفراً وصحب مالاً كثيراً فقدم المدينة في ستة عشر يوماً فزار ثم أمر بإحضار أهل المدينة بعد كتابتهم وصار يتأمل في كل ذلك تلك الصفة إلى أن انقضت الناس فقال: هل بقي أحد؟ قالوا: لم يبق سوى رجلين صالحين عفيفين مغربيين يكثران الصدقة. فطلبهما فرآهما الرجلين اللذين أشار إليهما عليه الصلاة والسلام، فسأل عن منزلهما فأخبر أنهما في رباط بقرب الحجرة الشريفة، فأمسكهما ومضى إلى منزلهما فلم ير غير ختمتين وكتباً في الرقائق ومالاً كثيراً فأثنى عليهما أهـل المدينة خيراً فبقي متردداً ومتحيراً، فرفع حصيراً في البيت فرأى سرداباً محفوراً، ينتهي إلى صوب الحجرة فارتاعت الناس لذلك، فقال لهما السلطان: اصدقاني، وضربهما ضرباً شديداً، فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زي حجاج المغاربة وأمالوهما بالمال العظيم ليتحيلا في الوصول إلى الجناب الشريف ونقله وما يترتب عليه، فنزلا قرب رباط وصارا يحفران ليلاً ولكل منهما محفظة جلد، والذي يجتمع من التراب يخرجونه في محفظتيهما إلى البقيع إذا خرجا بعلـة الزيارة، فلما قربا من الحجرة أرعدت السماء وأبرقت وحصل رجف عظيم، فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة، فلما ظهر حالهما بكى السلطان بكاءً شديداً، وأمر بضرب رقابهما فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة الشريفة المسمى الآن شباك الجمال، ثم أمر بإحضار رصاص عظيم وحفر خندق عظيم إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها وأذاب ذلك الرصاص وملأ الخندق، فصار حول الحجرة سور من رصاص إلى الماء: انتهى.
وفي سنة إحدى وستين وخمسمائة ذكر صاحب الخميس عن شمس الدين صواب الموصلي بواب المسجد النبوي والقائم بأمره بإسناد صحيح عنه أن جماعة من الروافض وصلوا من حلب فأهدوا إلى أمير المدينة الشريفة من الأموال والجواهر ما لم يخطر ببال، فشغله ذلك وأنساه دينه والتمسوا منه أن يخرجوا جسد أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما من عند النبي صلى الله عليه وسلم. فلما غشيه من حب الدنيا والتشاغل بالأموال عن الدين وافقهم على ذلك. قال صواب الموصلي المذكـور: فطلبني أمير المدينة وقال: إن في هذه الليلة يصل إليك كذا وكذا من الرجال، فحين يصلون إليك سلم إليهم مفتاح الحجرة الشريفة النبوية ولا تتشاغل عنهم وإلا أخذت ما فيه عينـاك. قال صواب: فأخذتني رعدة ودهشة ولا أدري إلى ما يؤل الأمر، فانتظرت، فلما كان نصف الليل أقبل أربعون رجلاً فدخلوا من باب السلام فسلمت إليهم مفتاح الحجرة المطهرة فإذا معهم المقاحف والمكاتل وآلات الحفر فعرفت مرادهم وغاب حسي من الهيبة النبوية، ثم سجدت لله وجعلت أبكي وأتضرع، فما نظرت إلا وقد انشقت الأرض واشتملتهم بجميع ما معهم من آلات الحفر والتأمت لساعتها، وذلك عند المحراب العثماني فسجدت شكراً لله، فلما استبطأ الأمير الخبر أرسل لي رسولاً فأخبرته بما رأيت فطلبني عاجلاً فوصلت إليه فإذا هو مثل الواله، فسألني مشافهة فحققت له ما رأيت فقال: إن خرج منك هذا الأمر قتلتك، فلم، أزل ساكتاً عن بث هذا الأمر مدة حياة ذلك الأمير خوفاً منه.

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي
عبد الملك بن حسين العصامي / ج3 ص376 - 377


---------------------------


صب الرصاص حول قبر النبي صلى الله عليه وسلم والقبور التي معه داخل الحجرة الشريفة النبوية وأسباب ذلك الداعية له.
هـذا حدث جداً عظيم، وأمر خطر جسيم، هو ما فكرت فيه بعض العقول المعوجة في سالف الأزمان، إذ خطر ببال بعضهم بتسويل من الشيطان لهم نقل جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة إلى غيرها، وفاتهم قول الله تبارك وتعالى له:(والله يعصمك من الناس).
أي حياً وميتاً ولكن ماذا نقول لقد صدق الشاعر في قوله:
"وإذا ضلت العقول على علم فمـاذا تقولـه النصحـاء"
لقد اضطر الملك العادل نورالدين الشهيد الشهير بزنكي إلى حفر خندق عظيم جداً وعميق جداً، أقامه من سطح الماء حول الحجرة الشريفة النبوية عام 557 هجرية، صب فيها الرصاص بين أحجار عظيمة جداً مربوطة بكتل من الحديد، فأصبح الوضع بعد تمامه ثلاثة جدر: جدار قائم على الماء مربوطة أحجاره بالحديد وأحجار متداخلة في بعضها البعض، وجدار آخر أمامه يشبهه تماماً كل الشبه في الشكل والوضع والعمق، وبين الجدارين صب رصاص على شكل قوالب الأحجار تماماً، فشكل الرصاص بوصفه هذا الجدارالثالث، وهذا الخندق العظيم الذي يقوم على ثلاثة جدر محيطة بالحجرة الشريفة النبوية من نواحيها الأربع، وكان ذلك كله لأسباب هامة، وهامة جداً داعية له تعددت ثلاث مرات، كان الغرض منها تارة أخذ جسم الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة إلى بعض المدن الإسلامية الأخرى لتفخر به تلك المدينة المنقول إليها جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غيرها، وتارة لإبعاد جسم أبي بكر الصديق رضي الله عنه وجسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الحالات الثلاث سجلتها في المدينة المنورة حتى يوم الناس هذا آثار كبيرة ودور كبيرة، كسقيفة الأمير وسقيفة شيخي وسقيفة الرصاص ودار الضيافة.
أما في الحرم الشريف النبوي نفسه فثلاثة آثار غريبة سجلت هذه الحوادث، وهي باقية إلى يوم الناس هذا، وكلها في الجهة الجنوبية جهة القبلة الشريفة النبوية أمام وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أما سقيفة الأمير، فكان يسكنها الأمير العادل نور الدين الشهيد والشهير بزنكي، فسميت السقيفة باسمه وبقي هذا الاسم عليها حتى الآن، وبيته هو نفسه معروف حتى الآن داخل السقيفة.
أما سقيفة شيخي، فكان يسكنها أستاذ الأمير وعالمه الوحيد وقاضيه ومفتيه وشيخه الذي يدرس عليه العلوم وكان الأمير يقول عليه"شيخي زاده"والياء الأخيرة في شيخي هي ياء النسبة فاشتهر بهذا الاسم وضاع عنه اسمه الحقيقي"محمد محي الدين"وشيخي زاده هذا هو الذي ألف حاشية على تفسير الإمام البيضاوي، مطبوعة هذه الحاشية بمفردها على تفسير الإمام البيضاوي، ومطبوعة أيضاً مع حاشية القنوي وبين التمجيد على تفسير الإمام البيضاوي، ومعهم القرآن الكريم في أربعة مجلدات في الحجم الكبير جداً، والطبع تم في الأستانة"إستنبول"عام 1282 هجرية فسميت السقيفة باسمه، وبقيت تحمل هذا الاسم حتى الآن، وسقيفة الأمير بمحلة الساحة المعروفة بالمدينة المنورة وكذا سقيفة شيخي.
أما سقيفة الرصاص التي تجاور باب السلام، فكان الرصاص يذاب فيها ويصب على هيئة قوالب كما أسلفنا ليكون بين الجدارين السابق ذكرهما، فسميت السقيفة باسم سقيفة الرصاص، وبقي عليها هذا الاسم حتى الآن.
أما دار الضيافة، فهي الآن أمام باب عمر بن الخطاب رضي الله عنه باب الحرم الشريف النبوي الذي أنشأه جلالة الملك سعود المعظم، ومحلها رباط عظيم قديم جداً يسمى"رباط أبي البركات" فهي الدار الكريمة التي كان يقيم فيها الولائم، ويوزع فيها المنح السخية على جميع سكان المدينة المنورة الأمير نور الدين زنكي، ليراهم بعد تناول الطعام وأخذ المنح وللسلام، عليه فرداً فرداً بنفسه لعله يجد ضالته المنشودة فيما بينهم، فسميت هذه الدار دار الضيافة وحافظت على هذا الاسم حتى الآن.
أما آثار الحرم الشريف النبوي التي سجلت هذه الحوادث فعددها ثلاثة تجاور بعضها بعضاً في البوائك الثلاث بين العواميد من الجهة الجنوبية كما أسلفنا، وهي عبارة عن أحجار سوداء مختلفة الأحجام فإذا وقف الزائر الكريم أمام الوجه الشريف النبوي فيكون وراءه شباك جميل، وخصوصاً إذا كان وقوفه بين العواميد، فإنه يرى أسفل قدميه ثلاثة أحجار سوداء كما سبق أن أشرنا إليها، وعن يمينه في البائكة الأولى حجر أسود مستطيل كما سبق لنا ذكره، ووراء هذا الحجر الأسود الطويل جدار، ومن وراء هذا الجدارفي الشارع العام باب ثابت في الجدار لم يتغير شكله حتى الآن وهو كالعلامة للموضوع الذي نحن بصدده، وعلى شماله في البائكة الثالثة حجر واحد أسود مدور وعليه إطار كما سبق شرحه، وراءه جدار أقامه داخل الحجرة الشريفة الممر العام الذي أنشأه السلطان قايتباي كما سبق لنا إيضاحه، وهذه الآثار الثلاثة دلائل ثابتة للواقعة التي مرت على الحجرة الشريفة النبوية والتي سنأتي إن شاء الله تعالى على آثارها التاريخية من سجلاتها المختصة بها من كتب التاريخ كوثائق رسمية نعتمد عليها في موضوعنا هذا، ثم نأتي بعدها إن شاء الله تعالى على بحث عام تفصيلي للوقائع والحوادث الثلاث، وإليكم بعض أسماء الكتب التي سجلت هذه الحوادث. فمنها: كتاب الانتصارات الإسلامية للعلامة جمال الدين الأسنوي، وتاريخ الإمام جمال الدين المطري للمدينة المنورة، وتاريخ الإمام زين الدين المراغي للمدينة المنورة، وتاريخ بغداد لابن النجار، وكتاب تأسي أهل الإيمان فيما جرى لمدينة القيروان لابن سعدون القيرواني، وتاريخ السيد الدمرداش المحمدي للإمام القاوقجي في مجلدين، وكذا كتاب الرياض النضرة في فضائل العشرة للإمام محب الدين الطبري، وتاريخ الإمام المرجاني للمدينة المنورة، وتاريخ العباسي للمدينة المنورة، وتاريخ الحرم الشريف النبوي للسيد البرزنجي، وتاريخ المدينة المنورة للسيد السمهودي المسمى وفاء الوفاء وخلاصة الوفاء، وتاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ورحلة الإمام ابن جبير، ومما لا يحصى كثرة وقد جمعتها في كتاب واحد، ولما كانت نصوص المؤرخين كثيرة وكبيرة وإحصاؤها كلها حرفيا في هذا المجال غير ممكن، رأيت أن أقتصر هنا على ذكر ما كتبه الإمام العلامة المحقق الديار بكري في كتابه تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس لأن كتابته جمعت فأوعت.
قال رحمه الله تعالى تحت عنوان:
"سبب حفر الخندق حول الحجرة النبوية"ما نصه:
في سنة سبع وخمسين وخمسمائة عمل الملك نور الدين الشهيد محمود زنكي ابن أقسنقر خندقا حول الحجرة النبوية مملوءا بالرصاص على ما ذكر في الوفاء. وسبب ذلك أن النصارى خذلهم الله تعالى دعتهم أنفسهم في سلطنة الملك المذكور إلى أمر عظيم ظنوا أنه يتم لهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، وذلك أن السلطان المذكور كان له تهجد يأتي به في الليل وأوراد يأتي بها، فنام عقب تهجده فرأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نومه وهو يشير إلى رجلين أشقرين ويقول: أنجدني أنقذني من هذين فاستيقظ فزعاً ثم توضأ وصلى ونام فرأى المنام بعينه، فاستيقظ وصلى ونام فرأى أيضاً مرة ثالثة، فاستيقظ وقال لم يبق نوم، وكان له وزير من الصالحين يقال له جمال الدين الموصلي، فأرسل إليه ليلاً وحكى له جميع ما اتفق له فقال: وما قعودك أخرج الآن إلى المدينة المنورة واكتم ما رأيت، فتجهز في بقية ليلته وخرج على رواحل خفيفة في عشرين نفراً وفي صحبته الوزير المذكور ومال كثير، فقدم المدينة المنورة في ستة عشر يوماً، فاغتسل خارجها ودخل فصلى في الروضة وزار ثم جلس لا يدري ماذا يصنع، فقال الوزير وقد اجتمع أهل المدينة المنورة في المسجد: إن السلطان قصد زيارة النبي صلى الله عليه وسلم وأحضر معه أموالا لتوزيعها فاكتبوا من عندكم، فكتبوا أهل المدينة المنورة كلهم، وأمر السلطان بحضورهم وكل من حضر ليأخذ يتأمله ليجد فيه الصفة التي أراها له النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فلا يجد تلك الصفة فيعطيه ويأمره بالانصراف، إلى أن انقضت الناس فقال السلطان هل بقي أحد لم يأخذ شيئاً من الصدقة؟ قالوا: لا. فقال: تفكروا وتأملوا. فقالوا: لم يبق أحد إلا رجلين مغربيين لايتناولان من أحد شيئاً، وهما صالحان غنيان يكثران الصدقة على المحتاجين، فلما سمعه السلطان انشرح صدره وقال: علي بهما، فأتي بهما فرآهما الرجلين اللذين أشار النبي صلى الله عليه وسلم إليهما بقوله أنجدني أنقذني من هذين، فقال لهما: من أين أتيتما ؟ فقالا: من بلاد المغرب جئنا حاجين فاخترنا المجاورة في هذا المقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: اصدقاني فصمما على ذلك، فقال: أين منزلهما ؟ فأخبر بأنهما في رباط بقرب الحجرة الشريفة النبوية، فأمسكهما وحضر إلى منزلهما فرأى فيه مالاً كثيراً وختمتين وكتاباً في الرقائق ولم ير فيه شيئاً غير ذلك، فأثنى عليهما أهل المدينة المنورة بخير كثير وقالوا: إنهما صائمان الدهر ملازمان الصلوات في الروضة الشريفة النبوية، وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة البقيع كل بكرة وزيارة قباء كل سبت، ولا يردان سائلا قط بحيث سدا خلة أهل المدينة المنورة، وهذا العام المجدب، فقال السلطان: سبحان الله ! ولم يظهر شيئاً مما رآه، وبقي السلطان يطوف في البيت بنفسه فرفع حصيراً في البيت فرأى سرداباً محفوراً ينتهي إلى صوب الحجرة الشريفة النبوية، فارتاعت الناس لذلك وقال السلطان عند ذلك اصدقاني: حالكما وضربهما ضرباً شديداً، فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زي حجاج المغاربة وأوفدوهما بأموال عظيمة وأمروهما بالتحيل في شيء عظيم خيلته لهم أنفسهم، وتوهموا أن يمكنهم الله منه وهو الوصول إلى الجناب الشريف النبوي، ويفعلوا به مازينه لهم إبليس من النقل وما يترتب عليه، فنزلا في أقرب رباط إلى الحجرة الشريفة النبوية وهو الرباط المعروف"رباط المراغة"وفعلا ما تقدم، وصارا يحفران ليلا، ولكل منهما محفظة جلد على زي المغاربة والذي يجتمع من التراب يجعله كل منهما في محفظته ويخرجان لإظهار زيارة قبور البقيع فيلقيانه بين القبور، وأقاما على ذلك مدة، فلما قربا من الحجرة الشريفة النبوية أرعدت السماء وأبرقت، وحصل رجيف عظيم بحيث خيل انقلاع تلك الجبال، فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة واتفق مسكهما واعترافهما فيما اعترفا، وظهر حالهما على يديه، ورأى تأهيل الله له لذلك دون غيره بكى بكاء شديداً وأمر بضرب رقابهما، فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة الشريفة النبوية وهو ما يلي البقيع.
ثم أمر بإحضار رصاص عظيم، وحفر خندقا عظيماً إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها، وأذيب الرصاص وملئ به الخندق فصار حول الحجرة سورا رصاصيا إلى الماء ثم عاد إلى ملكه، وأمر بإضعاف النصارى، وأمر أن لا يستعمل كافر في عمل من الأعمال، وأمر مع ذلك بقطع المكوس جميعها وقد أشار إلى ذلك الجمال المطري باختصار، ولم يذكر عمل الخندق حول الحجرة الشريفة وسبك الرصاص به وقال: إن السلطان محمود المذكور رأى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات في ليلة واحدة وهو يقول في كل مرة: يامحمود أنقذني من هذين الشخصين الأشقرين تجاهه، فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر له ذلك فقال له: هذا أمر حدث في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ليس له غيرك، فتجهز وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها من خيل وغير ذلك حتى دخل المدينة المنورة على غفلة من أهلها، والوزير معه، وزار وجلس في المسجد لا يدري ما يصنع وقال له الوزير: أتعرف الشخصين إذا رأيتهما ؟ قال: نعم، فطلب الناس عامة للصدقة، وفرق عليهم ذهباً كثيراً وفضة وقال: لا يبقين أحد بالمدينة إلا جاء، فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس نازلان في الناحية الكائنة في قبلة حجرة النبي صلى الله عليه وسلم من خارج المسجد عند دار آل عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي تعرف اليوم بدار العشرة، فطلبهما للصدقة، فامتنعا وقالا: نحن على كفاية لا نقبل شيئاً، فجد في طلبهما، فجيء بهما فلما، رأهما قال للوزير هما هذان، فسألهما عن حالهما وما جاء بهما فقالا: لمجاورة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أصدقاني، وتكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما، فأقرا أنهما من النصارى، وأنهما وصلا لكي ينقلا من في هذه الحجرة الشريفة النبوية باتفاق من ملوكهم، ووجدوهما قد حفرا نقبا تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة النبوية وأخذا يجعلان التراب في بئر عندهما في اليت الذي هما فيه، وهكذا حدثني عمن حدثه، فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة النبي صلى الله عليه وسلم خارج المسجد، ثم أحرقا بالنار آخر النهار وركب متوجهاً إلى الشام.
جاء في كتاب الرياض النضرة من فضائل العشرة لمحب الدين الطبري ما نصه: قال: أخبرني هارون بن الشيخ عمر بن الزغب وهو ثقة صدوق مشهور بالخير والصلاح والعبادة عن أبيه وكان من الرجال الكبار، قال كنت مجاورا بالمدينة المنورة وشيخ خدام النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك شمس الدين صواب اللمطي، وكان رجلا صالحا كثير البر بالفقراء والشفقة عليهم، وكان بيني وبينه أنس فقال لي يوما: أخبرك بعجيبة كان صاحب يجلس عند الأمير ويأتيني من خبره بما تمس حاجتي، إليه فبينما أنا ذات يوم إذ جائني فقال: أمر عظيم حدث اليوم فقلت: وما هو ؟ قال: جاء قوم من أهل حلب وبذلوا للأمير بذلا كثيراً وسألوه أن يمكنهم من فتح باب الحجرة وإخراج أبي بكر وعمر منها فأجابهم إلى ذلك قال صواب: فاهتممت لذلك هما عظيما، فلم أنشب أن جاء رسول الأمير يدعوني إليه فأجبته فقال لي: يا صواب يدق عليك الليلة أقوم المسجد فافتح لهم ومكنهم مما أرادوا ولا تعارضهم ولا تعترض عليهم قال: فقلت: سمعا وطاعة قال: فخرجت ولم أزل يومي أجمع خلف الحجرة أبكي لا ترقأ لى دمعة ولا يشعر أحد ما بي حتى إذا كان الليل وصلينا العشاء الأخير، وخرج الناس من المسجد، وغلقت الأبواب فلم ننشب أن دق الباب الذي حذاء باب الأمير أي باب السلام، فإن الأمير كان مسكنه حينئذ بالحصن العتيق، قال: ففتحت الباب فدخل أربعون أعدهم واحدا بعد واحد معهم المساحي والمكاتل والشموع وآلات الهدم والحفر قال: وقصدوا الحجرة الشريفة النبوية فوالله ما وصلوا المنبر حتى ابتلعتهم الأرض جميعهم بجميع ما ما كان معهم من الآلات ولم يبق لهم أثر قال: فاستبطأ الأمير خبرهم فدعاني وقال: يا صواب ألم يأتك القوم ؟ قلت: بلى ولكن اتفق لهم كيت وكيت قال: انظر ما تقول قلت: هو ذاك وقم فانظر هل ترى لهم من باقية أو لهم أثر فقال: هذا موضع هذا الحديث إن ظهر منك كان بقطع رأسك ثم خرجت عنه.
قال المجد الطبري: فلما وعيت هذه الحكاية عن هارون حكيتها لجماعة من الأصحاب فيهم من أثق بحديثه قال: وأنا كنت حاضراً في بعض الأيام عند الشيخ عبد الله القرطبي بالمدينة المنورة والشيخ شمس الدين صواب يحكي هذه الحكاية سمعتها بأذني. انتهى ما ذكره الطبري، وقد ذكر أبو محمد عبد الله بن أبي عبد الله بن محمد المرجاني هذه الواقعة باختصار في تاريخ المدينة المنورة له وقال: سمعتها من والدي يعني الإمام الجليل أبا عبد الله المرجاني قال: وقال لي: سمعتها من والدي أبي محمد المرجاني سمعها خادم الحجرة الشريفة قال أبو عبد الله المرجاني: ثم سمعتها أنا من خادم الحجرة الشريفة وذكر نحو ما تقدم إلا أنه قال: فدخل خمسة عشر أو قال عشرون رجلا بالمساحي والقفاف فما مشوا غير خطوة أو خطوتين وابتلعتهم الأرض، ولم يسم الخادم والله أعلم.
قال ابن الأثير: طالعت توايخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكاً أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين زنكي، وقد اتفق بعد الأربعمائة من الهجرة ما يقرب من قصة رؤيا نور الدين الشهيد المتقدمة على ما نقله الزين المراغي عن تاريخ بغداد لابن النجار قال:
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن المبارك القرني عن أبي المعالى صالح بن شافع الجعلي أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن محمد المصلح حدثنا أبو القاسم عبد الحليم بن محمد المغربي أن بعض الزنادقة أشار على الحاكم العبيدي صاحب مصر بنقل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه من المدينة المنورة إلى مصر وزين له ذلك، وقال: متى تم له ذلك شد الناس رجالهم من أقطار الأرض إلى مصر، وكانت منقبة لسكانها، فاجتهد الحاكم في مدة، وبنى بمصر حائزاً وانفق عليه مالاً جزيلاً قال: وبعث أبا الفتوح لنبش الموضع الشريف فلما وصل إلى المدينة المنورة الشريفة وجلس بها، حضر جماعة المدنيين وقد علموا ما جاء فيه، وحضر معهم قارئ يعرف بالشيخ الزلباني فقرأ في المجلس قول الله تبارك وتعالى: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئِمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعهم ينتهون # ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين} ـ سورة التوبة آية من 12 / 13 ـ فماج الناس وكادوا يقتلون أبا الفتوح ومن معه من الجند، وما منعهم من المبادرة إلى ذلك إلا أن البلاد كانت لهم، ولما رأى أبو الفتوح ذلك قال لهم: الله أحق أن يخشى، والله لو كان علي من الحاكم فوات الروح ما تعرفت للموضع، وحصل له من ضيق الصدر ما أزعجه كيف ينهض في مثل هذه المخزية، فما انصرف النهار ذلك اليوم حتى أرسل الله ريحا كادت الأرض تزلزل من قوتها حتى دحرجت الإبل بأقتابها والخيل بسروجها كما تدحرج الكرة على وجه الأرض، وهلك أكثرها، وخلق من الناس، فانشرح صدر أبي الفتوح، وذهب روعه من الحاكم لقيام عذره من امتناع ما جاء فيه. وجاء في كتاب تأسي أهل الإيمان فيما جرى على مدينة القيروان لابن سعدون القيرواني ما لفظه:"ثم أرسل الحاكم بأمر الله إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم من ينبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم فدخل الذي أراد، وسكن دارا بقرب المسجد، وحفر تحت الأرض ليصل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فرأوا أنوارا وسمع صائح يقول: أيها الناس إن نبيكم ينبش ففتش الناس فوجدوهم فقتلوهم"انتهى.
وجاء في رحلة الإمام ابن جبير ما نصه حرفيا:
ذكر ما استدرك خبره مما كان أفضل، وذلك أنا حللنا الإسكندرية في الشهر المؤرخ أولا ـ شهر عام 579 عاينا مجتمعا من الناس عظيما برزوا لمعاينة أسرى من الروم أدخلوا البلد راكبين على الجمال ووجوههم إلى أذنابها وحولهم الطبول والأبواق فسألنا عن قصتهم فأخبرنا بأمر تتفطر له الأكباد إشفاقا وجزعا، وذلك أن جملة من نصارى الشام اجتمعوا وأنشؤوا مراكب في أقرب المواضع التي لهم من بحر القلزم ثم حملوا أنقاضها على جمال العرب المجاورين لهم بكراء اتفقوا معهم عليه، ولما حصلوا بساحل البحر سمروا مراكبهم، وأكملوا انشاءها وتأليفها، ورفعوها في البحر وركبوها قاطعين بالحجاج، وانتهوا إلى بحر النعم، فأحرقوا فيه نحو ستة عشر مركبا وانتهوا إلى عيذاب، فأخذوا فيه مركبا كان يأتي بالحجاج من جدة، وأخذوا أيضاً في البر من أتى من قوص إلى عيذاب وقتلوا الجميع وأخذوا مركبين كانا مقبلين بتجارة من اليمن، وأحرقوا أطعمة كثيرة على ذلك الساحل كانت معدة لميرة مكة والمدينة أعزهما الله، وأحدثوا حوادث شنيعة لم يسمع مثلها في الإسلام، ولا انتهى روعي إلى ذلك الموضع قط، ومن أعظمها حادثة تسد المسامع شناعة وبشاعة، وذلك أنهم كانوا عازمين على دخول مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخراجه من الضريح المبارك، أشاعوا ذلك وأجروه على ألسنتهم فأخذهم الله باجترائهم عليه وتعاطيهم مما يحلول عناية القدر بينهم وبينه ولم يكن بينهم وبين جدة أكثر من مسيرة يوم، فدفع الله عاديتهم بمراكب عبرت من مصر والإسكندرية دخل فيها الحاجب المعروف، فبحث مع أجناد المغاربة البحريين فلحقوا العدو وهو قارب النجاة بنفسه فأخذوهم عن آخرهم، وكانت آية من آيات العناية الجبارة وأدركوهم بعد مدة طويلة كان بينهم من الزمان نيف على شهر ونصف أو حوله، وقتلوا وأسروا فريقاً من الأسارى على البلاد ليقتلوا بها، ووجه منهم إلى مكة والمدينة وكفى الله بجميل صنعه الإسلام والمسلمين أمراً عظيماً والحمد لله رب العالمين.
لقد ظهر مما ذكرناه وبيناه وشرحناه وأوضحناه أن حادثة نقل النبي صلى الله عليه وسلم والصاحبين من المدينة المنورة قد تكررت عدة مرات، فتارة تجمع النصارى على ذلك فيبعثون بعثة ؛ منهم في زي المغاربة لعلهم يصلون إلى بغيتهم، وتارة يبعثون قسما من الروم فيهلكهم الله في طريقهم وهم مقبلون على مدينة عيذاب، ومرة يوعزون إلى الحاكم العبيدي ليبعث أبا الفتوح، فيفضحهم الله تبارك وتعالى فضيحة شنيعة في المدينة المنورة بزلازل غريبة وبآيات قرآنية تتلى أمامهم، وفيها فضيحتهم، ومرة يسمع صوت يقول:(أيها الناس إن نبيكم ينبش فيفتشون) (فيجدون المتلبسين بالجريمة) .

تاريخ معالم المدينة المنورة قديماً وحديثاً
أحمد ياسين الخياري / ص 84 ـ 93


---------------------------


بعد ضعف الدولة العباسية، وتعدد الدول الإسلامية، وتنوع أجناسها وتنفاسها، ونزاعاتها وتفككها إلى دويلات صغيرة، مثل وقتنا الحاضر، غزا النصارى بعض الدول الإسلامية، في عهد الفوضى، وحدث الحدث العظيم، ألا وهو محاولة سرقة الجسد الشريف صلى الله عليه وسلم، وكما رواه المحدثون والمؤرخون، ففي عام 557 هجرية سولت لنفوس النصارى الخبيثة، التي تحمل الكيد والحسد للإسلام والمسلمين، واتفقوا على أمرٍ عظيم وخطير ظنوا أنه سيتم لهم بيسر وسهولة، ولكن يأبى الله تبارك وتعالى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، والله تبارك وتعالى غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، أجمعوا على قيامهم بسرقة، ونقل الجسد الشريف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلادهم. فقاموا بإرسال رجلين خبيثين منهم إلى المدينة المنورة، في زي أهل المغرب وادعيا أنهما من أهل الأندلس الأتقياء، نزلا وأقاما في الجهة الجنوبية، أمام المواجهة الشريفة من القبلة، خارج المسجد النبوي الشريف في دار آل عمر بن الخطاب رضي الله عنهم. ومعروفة أيضاً بدار عبد الله بن عمر، وعرفت واشتهرت كذلك " بديار العشرة " وهي أمام المواجهة الشريفة مباشرة خلف الشباك الموجود بالجدار الجنوبي، وباقٍ منها جزء صغير يشبه الغرفة الصغيرة، مكشوفة سماوية، لها شباك يفتح على المواجهة الشريفة. قال العلامة جمال الدين الأسنوي : نزلا في رباط بقرب الحجرة الشريفة، وهو الجزء الموصوف سابقاً، أقاما في هذا الرباط وأظهرا التقوى والصلاح والورع والزهد، وإقامة الصلاة وأداء الزكاة، والبر والزيارة الدائمة المتكررة في اليوم الواحد للبقيع، وكذلك زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، والإنفاق الكثير والبذخ على المساكين والفقراء، وعمل الخير الدائم لزيادة صلتهم بالناس وثقتهم فيهما، هذا ما كان ظاهراً للناس في حالهما، أما الباطن فالحقد، والحسد والمكر، والمكيدة، والخبث للإسلام والمسلمين، ولنبي الإسلام، فبدأا يحفران سرداباً من أسفل، يصل وينتهي إلى القبور الشريفة، والتي تحوي الجسد الشريف الطاهر الكريم، أخذا يحفران وينقلان التراب، قليلاً قليلاً، فتارة يقومان، بإلقائه في بئر عندهم بداخل الرباط، وتارة أخرى ينقلانه في محافظ لهما من جلد، ويهمان الناس أنهما ذاهبان لزيارة البقيع، ويلقيان التراب هناك، واستمرا على هذه الحالة فترة طويلة حتى ظنا أنهم قربا من أمنياتهما، ووصلا إلى قرب القبر الشريف وأصبحا يفكران في كيفية نقل الجسد الشريف الطاهر وظنا أن ذلك قريب المنال ولا أحد يراهما ولكن الله غالب على أمره سبحانه وتعال،ى وكان لهما بالمرصاد " ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين" (1) فقد رأى السلطان الملك العادل نور الدين محمود الشهيد ابن زنكي عام 557 هجرية النبي صلى الله عليه وسلم، في نومه، وهو يشير إلى رجلين أشقرين يقول: أنجدني أنقذني من هذين يا محمود، فاستيقظ فزعاً منزعجاً، ثم توضأ وصلى ونام، فرأى نفس الرؤيا، فلما استيقظ في الثالثة دعا وزيراً له من الصالحين العارفين يقال له: جمال الدين الموصلي، وحدثه بما رأى، فقال: هذا أمر حدث بالمدينة المنورة وما قعودك ؟ اخرج فوراً إلى المدينة النبوية، واكتم ما رأيت، فتجهز في باقي ليلته، وخرج على رواحل خفيفة في عشرين نفراً من رجاله ومعهم وزيره المذكور، ومال كثير فقدم المدينة من الشام في ستة عشر يوماً وليلة إلى المدينة،ـ ودخل المسجد النبوي الشريف، فصلى بالروضة الشريفة وزار وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه رضي الله عنهما، ثم جلس لا يدري ماذا يصنع ؟ فقال الوزير للسلطان: أتعرف الشخصين إذا رأيتهما ؟ قال : نعم. فقال الوزير وقد اجتمع أهل المدينة في المسجد فقال : إن السلطان قد أحضر معه أموالاً كثيرة للصدقة فاكتبوا من عندكم من المحتاجين وأحضروهم معكم، وكان كل من حضر ليأخذ نصيبه كان السلطان يتأمله، ويتفحصه ليجد فيه الصفة والشكل التي رآهم في رؤيته بالمنام. فلم يجد تلك الصفة في أحد منهم حتى انتهى الناس جميعاً، ولم يبق منهم أحد، فقال السلطان : هل بقي أحد لم يأخذ شيئاً ؟ قالوا : لا، فقال : تفكروا وتأملوا : فقالوا : لم يبق أحد إلا رجلين مغربيين صالحين، لا يأخذان من أحد شيئاً وهما غنيان يكثران الصدقات والإنفاق على المساكين والفقراء والمحتاجين. ففرح في نفسه وقال: عليّ بهما فوراً، فلما أحضرا له فإذا هما الرجلان اللذان أشار النبي صلى الله عليه وسلم إليهما في نومه، ويقول: أنجدني أنقذني من هذين فقال لهما : من أين أنتما ؟ فقالا : من بلاد المغرب جئنا حاجين فاخترنا المجاورة في هذا العام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما : اصدقاني القول وشدد عليها فأصرا على قولهما : فقال : أين منزلهما ؟ فأخبر بأنهما في رباط بقرب الحجرة الشريفة فتركهما عند مكانه بالمسجد تحت حراسة، وذهب هو وبعض أهل المدينة إلى مكان سكنهما الذي يقيمان فيه، فرأى فيه مالاً كثيراً، ومصحفين، وكتاباً فوق الأرفف، ولم يجد شيئاً آخر ولقد أثنى عليهما أهل المدينة بخير كثير، وقالوا : إنهما صائما الدهر ملازما الصلوات مع الجماعة بالروضة الشريفة، وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يردان سائلاً ولا محروماً قط، فقال السلطان : سبحان الله ولم يُظهر لهم شيئاً مما رآه. وأخذ السلطان يطوف ويتجول في البيت، ثم ألهمه الله سبحانه وتعال،ى فرفع حصيراً في البيت، فوجد تحتها لوحاً من الخشب فرفعه فرأى سرداباً محفوراً ومتجهاً اتجاه الحجرة الشريفة، ومخترقاً جدار المسجد، فارتاعت الناس لذلك، وذهل أهل المدينة لهذا الحدث العجيب، وكانوا يعتقدون فيهما الصلاح والتقوى، والإيمان. وقال السلطان لهما: اصدقاني حالكما، وضربهما ضرباً شديداً، فاعترفا أنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زي حجاج مغاربة، وأعطوهما أموالاً كثيرة وعظيمة وأمروهما بالتحايل والجدل والخبث والمكر والدهاء في أمر عظيم خيلته لهم أنفسهم وشياطينهم بأنه من السهل الوصول إلى جسد الحضرة النبوية الشريفة صلى الله عليه وسلم في إخراج الجسد الكريم من قبر المعصوم ونقله إلى بلادهم، فلما ظهر حالهما واعترافهما بجريمتهما البشعة، وظهر حالهما على يديه، وأكرمه الله تبارك وتعالى لذلك العمل العظيم دون غيره من السلاطين في عهده، فبكى بكاءاً شديداً شكراً لله تعالى على هذا العطاء العظيم. وكان السلطان نور الدين رحمه الله تعالى من أتقى رجال زمانه فرحمة الله تعالى عليه. ثم أمر بعد ذلك بضرب عنقهما فقتلا تحت الشباك في شرقي (2) الحجرة النبوية الشريفة، ثم أمر السلطان نور الدين بإحضار رصاص عظيم، وأمر بحفر خندق عظيم وصل إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها ثم أذابوا الرصاص وملأ به هذا الخندق فصار حول الحجرة الشريفة سوراً منيعاً وحصناً حصيناً من الرصاص حتى منسوب المياه وبمسطح كامل الحجرة الشريفة بما فيها حول القبور الشريفة، حتى لا يصل إلى هذا المكان الطاهر العظيم أي يد من الأيدي مهما كانت، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ثم عاد السلطان نور الدين إلى ملكه بالشام بحلب الشهباء، وتوفي السلطان نور الدين محمود زنكي بحلب عام 588 فرحمة الله عليه.ولقد روى هذا الحادث كثير من المؤرخين والمحدثين الصالحين حتى أصبحت متواترة، ذكر ذلك نور الدين الأسنوي، ونور الدين المطري، والفقيه علم الدين يعقوب بن أبي بكر، والزين المراغي، والسيد السمهودي، وهذا يدل على حقد وحسد وكيد الحاقدين والحاسدين للإسلام والمسلمين من صهيونية عالمية، وصليبية متعصبة، وشيوعية ملحدة، وعلمانية حاقدة، وماسونية فاجرة، وهذا قائم ومستمر إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها (( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم )) (3).

(1) آل عمران 54.
(2) كان هناك شباك من الشرق أزيل في التوسعات السابقة وهذا منذ عام 557هـ.
(3) سورة البقرة 120.

الحجرات الطاهرات بيت النبوة
عبد الرحيم محمود الخولي ط1- ص 27



عدد المشاهدات: 5982 مشاهدة
تاريخ الإضافة: Jul 01 2017 15:54:31
  Twitter Facebook MySpace Digg Delicious

اضافة تعليق











تعليق بواسطة ابو علي في Sep 09 2014 14:40:08
صلى الله على طه خير الخلق وأحلاها
تعليق بواسطة عدنان في Sep 09 2014 14:47:24
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد واله وصحبه شكرا لكم طيبة نت على كل هذه المعلومات والاعمال اللي تقدموها للمدينة
تعليق بواسطة محمد الجندى في Sep 09 2014 15:32:40
اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
تعليق بواسطة الامين عبدالله الامين في Sep 09 2014 19:41:44
اللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم